عبير غنايم طوطح: رحلة الإصرار والنجاح في ريادة الأعمال

 



ألاء دار يوسف-رام الله- عبير غنايم طوطح 55 عاماً، وُلدت ونشأت في مدينة رام الله، امتدت رحلتها المهنية والشخصية على مدى عقود من العمل والتغيير، حيث استطاعت أن تجمع بين الطموح الشخصي والرغبة في دعم مجتمعها، من خلال تصميمها وشغفها، وأصبحت رمزاً للمرأة الفلسطينية القوية التي تتحدى الصعاب وتسعى لتحقيق أحلامها، مهما كانت الظروف.


التعليم والمسيرة المهنية:


بعد إنهاء تعليمها المدرسي، التحقت عبير بجامعة بيرزيت، إحدى أبرز الجامعات الفلسطينية، لدراسة المحاسبة، كان اختيارها لهذا التخصص نابعاً في اكتساب المهارات التي تؤهلها للعمل في مؤسسات بعد التخرج، وبدأت مسيرتها كموظفة محاسبة في جمعية الشبان المسيحية، حيث عملت لمدة 12 عاماً، واكتسبت خبرة في مجال الإدارة المالية وإدارة المشاريع.


لاحقاً، قررت عبير توسيع آفاقها وخوض تجربة في الخارج انتقلت للعمل في الخارج لمدة ثلاث سنوات، حيث تعرفت على أساليب عمل جديدة واكتسبت خبرات إضافية، إلا أن ارتباطها بوطنها وحبها لعائلتها دفعها للعودة إلى رام الله، حيث بدأت تفكر في مستقبل مختلف تماماً، مستندة إلى الابتكار والاستقلالية، وكان شغفها التغيير. 


نقطة التحول: جائحة كوفيد-19:

كانت جائحة كوفيد-19 محطة فاصلة في حياتها، وخلال فترة الإغلاق والقيود التي فرضتها الجائحة، وجدت عبير نفسها تعيد التفكير في مسار حياتها المهنية، وشعرت أن الوقت قد حان للتغيير، وأنها لم تعد ترغب في العودة إلى العمل الوظيفي التقليدي، فأرادت أن تبدأ مشروعاً خاصاً بها، ليحمل بصمتها الشخصية ويعكس شغفها.


قامت عبير باستثمار وقتها خلال الجائحة في التخطيط لمشروعها الجديد فكرت بكيفية تقديم قيمة مضافة لمجتمعها، خاصة للنساء الريفيات اللواتي يواجهن تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، بعد أن أنهت أعمال ترميم منزلها، حولته إلى مقر لمشروعها الجديد، الذي يمثل بداية جديدة مليئة بالطموح، ويجمع بين ريادة الأعمال وتمكين المرأة في العمل.


فكرة المشروع وأهدافه:

أسست عبير مشروعها ليكون منصة لدعم النساء في القرى الفلسطينية، وركزت على توفير فرص عمل للنساء الريفيات، وعملت مع نساء من ثلاث قرى: كفر نعمة، بيت عور، وبلعين، وعملت على شراء المنتجات اليدوية التي تصنعها النساء في هذه القرى، مثل المطرزات الفلسطينية والحرف اليدوية، ومن ثم تسويقها إلى جمهور أوسع.


أرادت عبير أن يكون مشروعها جسراً يربط بين التراث الفلسطيني والأسواق الحديثة، وركزت على جلب منتجات مميزة تحمل بصمة فلسطينية أصيلة من مختلف المدن والقرى، وعملت مع النساء في مناطق مثل القدس، بيت لحم، والخليل، كما حاولت توسيع نطاق عملها ليشمل غزة والجليل الأعلى، محافظةً على الهوية الثقافية لكل منتج.

                     عمل من أعمال نساء غزة              أعمال أخرى من الحرف اليدوية الفلسطينية      



التحديات التي واجهتها:

أضافت عبير أنها واجهت تحديات كبيرة في بناء مشروعها، بدءاً من صعوبة التنقل بين المناطق بسبب القيود المفروضة والحواجز العسكرية، وصولاً إلى العقبات الاقتصادية التي تواجهها النساء في القرى، وأشارت عبير إلى أن أحد أصعب التحديات كان التواصل مع الموردين والنساء العاملات في المناطق البعيدة، لكنها واجهت ذلك بإصرار كبير.


وأوضحت عبير أن بسبب هذه الصعوبات، إلا أنها اعتمدت بشكل كبير على التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وقالت إنها استخدمت تطبيق الواتساب للتواصل مع النساء واختيار المنتجات، مما وفر عليها الوقت والجهد، ورغم أن هذا الحل كان عملياً، إلا أنها كانت تفضل زيارة القرى واختيار المنتجات بنفسها لضمان الجودة والتميز والإبداع.

                                           تواصل عبير مع إحدى النساء للعمل 


دور العائلة في دعم المشروع:

قالت عبير أن الرحلة لم تكن سهلة، لكنها لم تكن وحدها، وأن عائلتها لعبت دوراً كبيراً في دعمها، سواء مادياً أو معنوياً تحدثت عن دعم زوجها المستمر لها، وتشجيعه لها على الاستمرار رغم التحديات الممكنة، كما ساعدها أبناؤها، الذين تخصصوا في مجالات مختلفة، في العديد من الجوانب التقنية والإدارية للمشروع.


أكدت عبير أن وجود عائلة داعمة كان أحد أهم عوامل نجاحها، رغم التحديات التي واجهتها، شعرت بأنها ليست وحيدة، وأن هناك من يساندها في تحقيق حلمها، كما أشارت إلى أن هذا الدعم العاطفي قد منحها القوة لمواصلة العمل بجد، وتجاوز الصعاب بكل عزيمة وإصرار، مما ساعدها في النمو وتوسيع المشروع.

                 المكان الأثري الفلسطيني التي تعمل به         إرث أصل الحكاية للتراث الفلسطيني    


الأثر الاجتماعي للمشروع:

لم يكن مشروع عبير مجرد وسيلة لتحقيق دخل مادي، بل كان له أثر اجتماعي كبير، من خلال تعاونها مع النساء في القرى، ساهمت في تمكينهن اقتصادياً ومنحهن الفرصة للعمل والاستقلال المالي، وأشارت إلى أن العمل مع النساء لم يكن مجرد شراكة تجارية، بل كان وسيلة لبناء علاقات إنسانية ودعم متبادل.


ساهم المشروع في تعزيز الهوية الثقافية الفلسطينية من خلال تسويق المنتجات التراثية، ورأت عبير أن هذا المشروع ليس مجرد عمل تجاري، بل هو رسالة تعكس قوة التراث الفلسطيني وصمود المرأة في وجه التحديات، وأضافت أن المشروع أصبح رمزاً للاستقلالية والتمكين والإبداع للنساء، وساهم في إحياء التقليد الفلسطيني وتعريف العالم به.

                نظرة عبير المفتخرة لما وصلت له                  من الأعمال الفلسطينية المميزة


التعامل مع الأسواق المحلية والدولية:

إضافةً إلى العمل مع النساء في القرى، ركزت عبير على بناء شبكة زبائن واسعة تضم الأجانب والمؤسسات الدولية في رام الله، كان من بين زبائنها المجلس الثقافي البريطاني و الممثلية الكندية، مما ساهم في تعزيز استقرار مشروعها، وزيادة الفرص التجارية، بالإضافة إلى تعزيز المشروع في الأسواق العالمية، ودعم النمو المستدام.


رغم تأثير الحرب والأوضاع السياسية على العديد من الأعمال في فلسطين، استطاعت عبير الحفاظ على توازن مشروعها من خلال تنويع زبائنها والتركيز على تقديم منتجات ذات جودة عالية، كما اعتمدت على الابتكار في تصميم منتجاتها، مما ساعدها على استقطاب شريحة واسعة من الزبائن، وبناء شراكات استراتيجية مع منظمات محلية ودولية.

       عبير من قلب التراث إلى عالم ريادة الأعمال   عرض عبير للمنتجات التي تحمل بصمة فلسطينية


نصيحة للنساء الطامحات: 

قدمت عبير نصيحة ملهمة للنساء اللواتي يطمحن إلى بدء مشاريعهن الخاصة، وأكدت أن أول خطوة هي العثور على شغفها الحقيقي في مجال معين، وأنه عندما تجد المرأة المجال الذي يناسبها، قد تصبح قادرة على الإبداع والعطاء بلا حدود وأضافت أن التحديات الممكنة يمكن التغلب عليها بالإيمان بالنفس، والصبر، والإصرار، والالتزام.

                                  طوطح تناقش تصميمات فلسطينية مميزة في عملها 

رؤيتها المستقبلية:

تحلم عبير بتوسيع مشروعها ليشمل المزيد من النساء والمناطق العديدة، وتقديم منتجاتها إلى أسواق دولية، ترى أن مشروعها يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به في دعم النساء وتمكينهن، كما أنها تأمل أن تساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي من خلال تسويق المنتجات الفلسطينية على نطاق أوسع، مع ترسيخ الهوية الثقافية والاستدامة.


خلاصة رحلة عبير:

تعد قصة عبير غنايم طوطح مثالاً حياً على الإصرار والشجاعة في مواجهة التحديات، ومن خلال مشروعها، استطاعت عبير أن تمزج بين شغفها بالعمل ودورها في دعم النساء وتمكينهن وتطوير مهاراتهن، ورغم كل الصعوبات، أثبتت عبير أن النجاح لا يعتمد فقط على الظروف المحيطة، بل على الإرادة والتصميم والتفاني والرؤية الواضحة. 

            مكانها المتواضع الذي تسعى لجعله أكبر            طوطح حكايةُ إبداعٍ لا تنتهي





تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

توجان مشعشع: نجاح فلسطيني بلمسة فن وتراث

فنون نسج الصوف من الخيوط إلى التحف الفنية

جاليري باب الدير: مساحة فنية فلسطينية تعكس الرواية والصمود